إبداعات الكتاب

بطءٌ يهزم العالم

بقلم: د. رﺟﺎء ﺻﺎﻟﺢ اﻟﺠﺒﻮري

على طاولة مستديرة اجتمع الحكيم والسياسي والطبيب وعالِم الأنثروبولوجيا والفلكي وخبير الطاقة، ليحللوا مباراة الأرنب والسلحفاة.
كان المشهد أشبه باستوديوهات التحليل التي نراها بعد المباريات الكبرى على شاشات التلفزة.

افتتح الحكيم الجلسة قائلًا:
«كيف استطاع البطء أن يهزم السرعة؟ كيف تغلبت الخطى الثقيلة على القفزات الخاطفة؟ سلحفاة في عامها السبعين تهزم أرنبًا لا يتجاوز عمره بضعة أشهر! – كيف هذا؟»

كانت الكلمة الأولى لعالِم الأنثروبولوجيا، الذي مدّ عنقه ورفع أنفه عاليًا قبل أن يبدأ القول:
إن السلحفاة في هذه المباراة كانت تمثل راية الأصالة، تستند إلى جذور تنغرس في هذه الأرض بعمق ملايين السنين، مسلّحة بعراقة تعود إلى أواخر العصر الترياسي.
«كيف يمكن لهذا الفرويّ الطارئ أن يغلب العراقة والتأصّل؟»
قالها بثقة الباحث الذي وجد الحقيقة الأخيرة.

فقاطعه السياسي محتدًا:
«القضية يا عزيزي المنظّر أعمق من العراقة والأصالة. السلحفاة في هذه المعركة تمثل الجماهير الزاحفة نحو التغيير. إنها صوت الشعوب المنسحقة، الثائرة على القوانين القديمة، الرافضة لكل ما تفرضه الرجعية من إيقاعات مسبقة.»

أما الطبيب، فرأى أن الأرنب استهلك طاقته في القفز واللعب هنا وهناك، بينما ادّخرت السلحفاة طاقتها كاملة للسباق. ثم تحدّث مطولًا عن إدارة الجهد والاختلافات التشريحية في المفاصل التي «منحت السلحفاة الأحقية البيولوجية في الفوز».

تدخّل خبير الطاقة بحماسة، مؤكدًا أن المسار الذي سلكته السلحفاة كان يحمل طاقة النجاح، وأن رزمة الخس التي تناولتها صباحًا كانت مزروعة في حقل للريحان — والريحان، كما يعلم الجميع، هو إكسير الفوز والتقدّم في ثقافات شعوب “اللاأدري” من العالم القديم!

أما الفلكي فكان لا يزال ينقر أرقامًا على آلة حاسبة داخل محفظة جلدية من طراز ثمانيني. رفع نظره أخيرًا وقال بهدوء العالم الذي وجد السر:
«العام هذا هو عام السلحفاة، لأن الدب الأصغر كان مدعوًا إلى حفلة شاي في مجرّة أخرى، وعاد منها برزمة كعك ومرطبان عسل، وكلها تُبشّر بطالع حسن للسلاحف هذا العام.»
ضحك الطبيب في سرّه، وطفت السخرية على وجه السياسي، بينما دوّن عالم الأنثروبولوجيا ملاحظات لا تخصّ أحدًا سواه. ساد صمتٌ قصير، كأن الجميع ينتظر من يعلن النتيجة النهائية.

اختتم الحكيم الجلسة مبتسمًا:
«لقد انتصرت السلحفاة على مبدأ السرعة نفسه، مفنّدةً وهم التوقعات المنطقية وقوائم الحظ والرهانات.
فانتصارها ليس حدثًا بيولوجيًا بسيطًا، بل درس في فلسفة الحياة — أن المفاجآت ممكنة، وأن النهايات لا تُحسم دائمًا لصالح المنطق ولا وفق قوانين الفيزياء.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى