إبداعات الكتاب

الفجوة الرقمية: هل الذكاء الاصطناعي سيزيد الفرق بين الأغنياء والفقراء في المنطقة العربية؟

بقلم: د. كريم مراد - خبير تقني ومعلوماتي

في أحد أحياء القاهرة الراقية، يستخدم طفل في العاشرة من عمره تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإنجاز واجباته المدرسية وتعلم لغات جديدة. وفي الوقت نفسه، على بعد مئات الكيلومترات في قرية نائية، يكافح أقرانه للحصول على اتصال مستقر بالإنترنت. هذا المشهد يلخص واقع الفجوة الرقمية في عالمنا العربي، والسؤال الأهم: هل ستزيد تقنيات الذكاء الاصطناعي من هذه الفجوة أم ستساهم في ردمها؟

واقع مؤلم يتطلب مواجهة
الحقيقة أن الفجوة الرقمية في المنطقة العربية ليست جديدة، فهناك تباين واضح في الوصول إلى التقنية بين المدن والأرياف، وبين الدول الغنية والفقيرة. الأمر لا يتعلق فقط بامتلاك هاتف ذكي، بل بالقدرة على الاستفادة من الفرص التي توفرها التكنولوجيا، من التعليم إلى العمل والخدمات الأساسية.

في دول الخليج مثلا، نجد استثمارات ضخمة في بنية تحتية رقمية متطورة ومشاريع طموحة للذكاء الاصطناعي.
بينما في دول أخرى، لا يزال ملايين المواطنين يفتقرون إلى الخدمات الأساسية مثل الكهرباء المستقرة أو الإنترنت السريع. هذا التباين لا يقتصر على الدول فقط، بل يمتد داخل الدولة الواحدة بين العاصمة والمحافظات، بين الأحياء الغنية والفقيرة.

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمق الأزمة؟
مع انتشار الذكاء الاصطناعي، تظهر مخاوف حقيقية من تعميق هذه الفجوة. فالتقنيات الحديثة مكلفة، والوظائف الجديدة تتطلب مهارات متقدمة لا يمتلكها الكثيرون. كما أن معظم الاستثمارات تتركز في العواصم والمدن الكبرى، بينما تظل المناطق النائية خارج هذه المعادلة. الأخطر من ذلك هو اختفاء الوظائف التقليدية دون توفير بدائل عادلة للجميع.

التعليم أيضاً يلعب دوراً محورياً في هذه المعادلة. المدارس في المناطق الفقيرة تفتقر إلى البنية التحتية التقنية، والمعلمون غير مدربين على استخدام التكنولوجيا الحديثة. هذا يعني أن الطلاب في هذه المناطق يبدأون السباق متأخرين عن أقرانهم في المدن الكبرى، وهو ما يضمن استمرار الفجوة للأجيال القادمة.

شعاع من الأمل: الفرص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي
لكن الصورة ليست قاتمة تماماً. فالذكاء الاصطناعي يحمل أيضاً فرصاً هائلة لتقليص الفجوة. التعليم عن بُعد يمكن أن يصل إلى أبعد القرى، والخدمات الصحية الرقمية قد تنقذ حياة من لا يستطيعون الوصول إلى المستشفيات. كما أن منصات العمل الحر تتيح لأي شخص يمتلك مهارة وإنترنت أن يعمل مع شركات عالمية من منزله.

تخيل طبيباً افتراضياً يمكنه تشخيص الأمراض الشائعة في قرية لا يوجد فيها مستشفى. أو معلماً رقمياً يساعد الطلاب على فهم الرياضيات والعلوم بلغتهم الأم. أو تطبيقاً يساعد المزارع البسيط على معرفة أفضل وقت للزراعة والحصاد. كل هذه التطبيقات ممكنة وموجودة بالفعل، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية واستثمارات موجهة.

الخدمات المالية الرقمية أيضاً تفتح أبواباً جديدة. الملايين في المنطقة العربية لا يملكون حسابات بنكية، لكن مع تقنيات مثل المحافظ الإلكترونية والبلوكشين، يمكنهم الآن الوصول إلى خدمات مالية أساسية، مما يساعدهم على تحسين أوضاعهم الاقتصادية.

المسؤولية المشتركة: دور الحكومات والقطاع الخاص
المفتاح يكمن في دور الحكومات والقطاع الخاص. نحن بحاجة إلى سياسات تضمن الشمول الرقمي، وبرامج لتدريب الشباب على المهارات المطلوبة، واستثمارات في البنية التحتية للمناطق المهمشة. بعض الدول العربية بدأت خطوات جادة في هذا الاتجاه، لكن المطلوب أكثر وأسرع.

الإمارات والسعودية، على سبيل المثال، تستثمران بكثافة في تطوير استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي. مصر تعمل على رقمنة الخدمات الحكومية وتوفير التدريب التقني للشباب. لكن هذه الجهود يجب أن تشمل الجميع، وليس فقط سكان المدن الكبرى.

القطاع الخاص له دور حيوي أيضاً. الشركات التقنية الكبرى عليها مسؤولية اجتماعية لضمان أن منتجاتها متاحة وميسورة التكلفة للجميع. برامج المسؤولية المجتمعية يجب أن تتجاوز العلاقات العامة وتتحول إلى التزامات حقيقية بتوفير التدريب والوصول إلى التقنية في المناطق المحرومة.

خلاصة القول
الذكاء الاصطناعي ليس شراً أو خيراً بطبيعته، بل هو أداة. والأدوات تعكس الطريقة التي نستخدمها بها. إذا تركنا الأمور تسير دون تدخل واعٍ، فسنشهد مجتمعات منقسمة بشكل أعمق. أما إذا عملنا معاً على ضمان وصول التقنية للجميع، فقد نكون أمام فرصة تاريخية لبناء مستقبل أكثر عدالة. الخيار لنا، والوقت ليس في صالحنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى