إبداعات الكتاب

مزاميرٌ من سِفر التكوين

بقلم: د. رﺟﺎء ﺻﺎلح الجبوري

كانت آنا تُحكم إغاق الزجاجة التي تحبس الخنفساء المضيئة، حين نظرت حولها فجأة.
وجدت نفسها واقفة وسط فضاءٍ مترامٍ لا نهاية له؛ سنابل القمح تتمايل حولها بخصرة ندية، كأنها بساط أخضر يغطي الآفاق كلها.
نظرت إلى نفسها.
لا تزال بثياب المدرسة: الدراعة السوداء بنقطها البيضاء، الياقة المخرّمة، الحذاء ذو الرباط الجلدي، والجوارب القصيرة.
مشت آنا ببطء، وأجنحة خنفسائها تصطخب داخل الزجاجة طلبًا للحرية. وصلت أخيرًا إلى ضفة نهرٍ عظيم تتاطم أمواجه.
كان هناك حشد من الناس بثياب غريبة يعملون على حفر قناة، وقد
أوشكوا أن يصلوها بالنهر.
اقتربت آنا أكثر.
التفت الجمع إليها متعجبين، ربما لغرابة ثيابها.
لاذت بالصمت حين لاحظت أنهم يتحدثون لغة لا تعرفها.
مشت مبتعدة حتى بلغت بوابة عظيمة تزينها مجسمات لثيرانٍ وأسود. عبرتها لتجد نفسها في سوقٍ عامر:
سجاد، أحجار كريمة، أقمشة، ورقيق.
تساءلت في دهشة: أين أنا؟
نظرت جانبًا، فرأت رجلين يتجادلان حول لوحٍ من طينٍ عليه نقوش غريبة. لم تُطل التفكير في أمرهما، إذ عا فجأة صرير عجات مسرعة.
كان موكب مهيب يمر في السوق، يتقدمهرجل تحيطه هالة من الكبرياء والشجاعة، وعلى معصمه حلية على شكل زهرة بابونج.
وقفت آنا هناك، والزجاجة في يدها، لا تدري إلى أين تذهب. عادت أدراجها إلى شاطئ النهر.
كان ثمة قارب يرسو عند الجرف، ومجموعة من النسوة يهممن بالصعود
إليه.
صعدت معهن.
تذكرت آنا أنها رأت مثل هذه الثياب في كتب التاريخ.

لمع الماء، وانعكست أمواجه البراقة على أجنحة خنفسائها المضيئة.
وفجأة…
بدأ الضوء يتغير.
لم يعد الفرات سوى شريط فضي يمر عبر مدينة ضخمة؛ أبراجها شاهقة، وقبابها تتلألأ.
اختلطت روائح الحبر والمخطوطات بعطر التوابل، وترددت أصوات الطاب في أروقة مرصوفة بالرخام.
وجدت آنا نفسها واقفة أمام بوابة طوبية كبيرة. لم يعد أحد يسأل عن سنابل القمح أو القنوات.
كل شيء بدا صامتًا…
إلا همس المعرفة الذي يملأ المكان.
الناس يتحدثون العربية. تنفست بعمق.
سمعت رجلًا يتحدث عن الخليفة المستنصر بالله.
فكرت: لا بد أنني في بغداد… وهذه هي الجامعة المستنصرية.

كانت آنا تتحسس جدران البناء بإعجاب، حين اهتزت الأرض تحت قدميها. رفعت رأسها
إنها تقف في العراء أمام تمثال عظيم:
رأس إنسان، وجسد ثور، وجناحا نسر، وخمس قوائم. عفريت عماق لا يهتز له جفن، يحرس أطال بوابة هائلة.
الاماسو.
أمام التمثال كان تاميذ بثياب رسمية يصطفون في أربعة صفوف، ينشدون بصوت موحد:
سامٌ لأرضٍ تفيض عطاءً وعطرُ ثراها دمُ الشهداء فهذا حسينٌ وذي كرباء من العز صار لسانًا وفم
سامٌ عليك على رافديك…* نظرت آنا إلى نفسها.
إنها ترتدي زيها الموحد الذي كانت تتزيّا به أيام الجامعة.
تتأبط محفظتها الرمادية، والزجاجة لا تزال بين أصابعها، والخنفساء ترفرف بجناحيها طمعًا في الهرب.

حل الظام فجأة.
تغير الزمكان مرة أخرى.
وجدت آنا نفسها في غرفة المعيشة في بيتها.
ترتدي ثوبها الصوفي الدافئ، وتلتحف رداءها المحاك، وتتصفح هاتفها. اهتز الهاتف بين يديها.
رسالة.
أرسل لها أخوها مقطعًا مصورًا.
ظهر فيه رجل مسنّ، شعره أبيض تمامًا، ينشد بلغة باذخة، وحروف مثقلة بالفخر:
عندما كُوِّرَتْ
عندما كلُّ آياتها صُوِّرَتْ
قيل للشمس أن تستقيم على موضعٍ لا تغيب وللنجم كن أنت منها قريب
ثم خُطَّ على الأرض منعطفان تبجّس بينهما الماء
وانحسرت آيتان بمعجزةٍ تجريان فالتقى الفجر بالليل والنار بالسيل
كلٌّ بأمرٍ يُساق
وأتى الصوت:
كوني…
فكان العراق**!
حاولت آنا أن تتذكر اسم الشاعر،
لكن خرخشة أجنحة الخنفساء المضيئة كانت تمنعها من التركيز.
شعرت أنها تسقط من علو. الأجنحة ما تزال تزن طلبًا للحرية. سقطت الزجاجة من يدها،
وارتطمت بسطحٍ غير مرئي فتحطمت. انطلقت اليراعة بضوئها الساخر نحو الأعلى. فتحت آنا عينيها.
إنها في منامها.
كان منبه الهاتف يرن. إنه موعد إعداد السحور.

*أبيات من أنشودة سامٌ عليك للشاعر العراقي أسعد الغريري **أبيات من قصيدة سفر التكوين للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى