كم كنتُ ساذجة حين حملتُ حذري واحتراسي على ظهري كحقيبة لا تفارقني، ومشيت في دروب الحياة أتوجّس من الشرّ الذي قد يدهمني.
الشرّ الذي صوّره لي عقلي بهيئة عجوزٍ قبيحة، بأنفٍ معقوف، وخالٍ بشع يطلّ من أرنبتها كغرزة زائدة في وجه الليل، وعيونٍ ضيّقة غامضة تلمع ببريقٍ مريع كعيون الذئب.
كبرتُ وأنا أرقب ذلك الذئب الذي يترصّدني من بين الأجمات وخلف الصخور في جيئتي وذهابي.
وكم أسهدت طفولتي فكرة أن طبقًا طائرًا سيهبط ذات يوم من مجرّة بعيدة ليكيل لعالمي الشرّ كلّه دفعة واحدة.
كانت تلك صورة الشرّ التي حملتها معي منذ طفولتي.
ولم أعِ أن الشرّ هو الآخر خاضع للتحديث الزمني؛ وأن العجوز الشمطاء قصّرت أنفها، وأزالت خالها القبيح، وعدّلت سحنتها البشعة، وارتدت ثوبًا أنيقًا وحذاءً بكعبٍ مستدقّ.
صارت تتحدث برقة وحنوّ، بعدما سكتت ارتجافة صوتها التي كانت تفضح تعاويذها.
صارت كلماتها ملساء كظهور الثعابين، وصار الناس يصطفّون في طوابير للاستماع إليها، يصفقون لإنجازاتها، ويصدّقون على كل ما تقول.
ولم أعلم أن الذئب ترك مخبأه بعدما تأنسن، وارتدى ما يرتديه الآدميون، وصار يمشي معنا كتفًا بكتف، يساير خطواتنا كواحدٍ منّا.
ما عاد يلتهم طريدته دفعة واحدة، بل صار يقرضها في لقيمات صغيرة، واحدة تلو الأخرى، بمباركة وتشجيع من الفريسة ذاتها.
وما عاد هذا العالم يخشى هجوم الأطباق الطائرة المحمّلة بكائنات جائعة للقتل والدمار؛ فسكّان الكوكب — ما شاء الله — أدّوا المهمة بجدارة!
ذاب الحدّ الفاصل بين الخير والشر، بين الأبيض والأسود، بين الماء والنار.
لا الأسود ظلّ فاحمًا كما كان، ولا الأبيض بقي نقيًا كما عهدناه.
النار تصالحت مع الجليد، والماء صار يغلي عند أول خيبة.
لقد تغيّر كل شيء: الصور، المسميات، المواقف… حتى صار الشرّ يبتسم في وجوهنا، فنردّ له الابتسامة كأننا نشكره على حسن صحبته.



