إبداعات الكتاب

وطني وتلك الحقيبة

بقلم: د. رﺟﺎء ﺻﺎﻟﺢ اﻟﺠﺒﻮري

مدّت عاملةُ المتجر عنقها نحوي أكثر من مرّة، حين طال وقوفي أمام فاترينة الحقائب في الجناح المخصّص للأحذية والحقائب في المجمع التجاري الأضخم في المدينة. لم أكن أقف أمام الحقائب بقدر ما كنت أقف أمام حيرتي. لم أبحث عن حقيبة بقدر ما كنت أبحث عن تفسير.

“خريفية تناسب الطقم الجديد”؛ هكذا قالت آنا: الإطلالة تحتاج فقط إلى حقيبة خريفية لتكتمل.
كيف لحقيبة أن تكون خريفية؟
هل تأتي على شكل يقطينة؟ أو ورقة شجر يابسة؟ أم تتدلّى من طرفها سلسلة تحمل مجسّم سنجاب يعانق حبّة بندق؟
ربما يكفي أن تكون جميلة، ككل ما في الخريف؛ كئيبة كأمسياته التي تهبط فجأة، حتى يخالجك الشعور بأن الشمس خُطفت قبل أوان غروبها.

كعادتي،هربت من جهلي وحيرتي إلى دنيا الخيال،مضيتُ بفكري بعيدًا عن واجهة الزجاج إلى واجهة العمر. طفتُ دروب الحياة وطرقاتها، شارعًا بعد شارع، وعند كل ناصية ومنعطف كانت تنتظرني حقيبة.
هذا العمر ليس إلا حفنة حقائب.

حقيبة محاكة بخيوط بلون الشوفان، وضعت فيها جدتي ثيابي الأولى، مع القماط وربطة الرأس، وشال التول الأبيض الذي غطّت به وجهي فور ما تناولتني من يد الممرضة، خوفًا من أن تصيبني العين.

ثم حقيبة الصفّ الأول، التي أحضرها لي أبي من إحدى سفراته، وأصرّ يومها على نزع الحزام الذي يُربط الحقيبة بظهري، قال إن حقائب الظهر قد تحني ظهري مع الوقت. رحل قبل أن يرى قامتي تنحني بفعل حقائب أخرى لم يَحدُس يومًا أنني سأحملها.

ثم حقيبة العيد الحمراء التي اشتريتها مع أمي من تاجر مصري قال إنني لا شك “أهلاوية” لأنني اخترت الأحمر دون غيره. ثم حقيبة الجامعة، وحقيبة الإقامة ومناوبات المستشفى، وحقيبة جهاز العروس، وحقيبة ثياب المولود، وحقيبة زيارة بيت الأهل… ثم تلك الحقيبة التي حشوتها على عجل خشية أن تشتعل الأرض تحت قدمي. زررت حقيبتي بدموعي على أحلامي، واقتلعت جذوري ومضيت خائفة أترقب.

حقائب حزمتها، وأخرى لم يمنحني القدر وقتًا لحزمها. وفي قعر كل حقيبة كان ثمة وطن صغير يندسّ دون علمي بين أمتعتي، كأن أيدٍ خفية تضعه هناك كتذكارٍ لحياة مضت ولن تعود: قارورة عطر قديم، بطاقة دواء، ورقة امتحان مكرمشة، فردة قفاز طفل، دبوس حجاب مفقود… أوطان صغيرة حملتها معي؛ قصاصات تتوارى في ظلام الحقيبة لتذكّرني أنّني لم أولد على ما أنا عليه الآن، وأنني أتغيّر باستمرار.

عند كل بوابة، وكل نقطة تفتيش، وفي كل مطار ومحطة، كنت أُناقل الحقيبة من كتف إلى أخرى، أحسب أنني أحمل أمتعتي وتذكارات أيامي الماضية لما هو قادم.
لكني أدركت في النهاية أنني لم أكن أحمل أمتعتي… بل ما تبقّى مني.
أحمله معي كي يمرّ عبر بوابة الوطن الجديد دون أن يُصادَر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى