إبداعات الكتاب

أمومة تحترق

بقلم: د. رجاء الجبوري

تقدّمت إسراء بخطى سريعة نحو غرفة العناية المركزة. دخلت دون إلقاء السلام.
هرعت إلى الطفل الذي كان يعجز عن التقاط أنفاسه. تحسّست النبض، راقبت التنفس، وأوعزت بإعطاء حقنة وريدية، ثم أعادت ضبط تركيز الأوكسجين عبر قناع الوجه.
الوجوه شاحبة، الأيدي مرتجفة. الصمت ثقيل، لا يقطعه سوى وقع أقدام الكادر الطبي المتحرك على عجل: من يجهّز إبرة، من يجرّ قنينة أوكسجين، ومن يعلّق سائلًا وريديًا.
ثم عاد الصوت الآلي المنتظم.
توت… توت… توت…
قالت بصوتها الحنون :
– رجع الحمد لله.
عانقتها الأم وقالت:
– دكتورة، الله لا يوقعكِ في ضيق.
خرجت إسراء من العناية المركزة، وعينها على هاتفها.  كتبت رسالة إلى صديقتها  تخبرها بأنها أرسلت مبلغًا إلى بطاقتها المصرفية، مساهمةً منها  في ترميم بيت فتيات يتيمات فقدن والديهن في الحرب ويسكنّ منزلًا نصف مهدّم.
اكتفت بالرد: «تم»، وعادت إلى العيادة الاستشارية.
عند الباب كانت تقف امرأة يبدو على ملامحها الانكسار.
دخلت وقالت:
– أنتِ أم مصطفى؟
– نعم، تفضلي.
– يقولون عنك أم الأيتام والمساكين.
– أوامرك.
– أنا وأطفالي قتلنا البرد، لا نملك ثمن الوقود.
ناولتها ورقة وقالت بهدوء:
– اكتبي العنوان. اليوم يصلك الوقود مع مدفأة ومؤونة شهر.
تعاقبت الأمهات. هذه تحمل طفلًا، وتلك تمسك بيد صغيرها. شكوى من إسهال توقف، وأخرى من طفل لا يأكل.
داومت إسراء على فحص المرضى، فيما ظل عقلها مشغولًا بابنتيها:
هل عادتا من المدرسة بسلام؟
هل اعترض الأب طريقهما من جديد؟
همست لصديقتها التي جاءت لتسلّم مناوبة ما بعد الظهر:
– أخشى أن يعود.
ارتسم الأسى على وجه الممرضة، كانت تعرف.
– وهل توقّف أصلًا؟
– يريد أن يحرق البيت على رأسي ورؤوس صغاري.
نزعت معطفها الطبي عند الشماعة وقالت:
– ادعي لي تخلص هالمرحلة على خير.
وصلت إلى البيت. كان كل شيء هادئًا.
– هل طرق الباب وأنا غائبة؟
– لا ماما، وحتى لو طرق، لن نفتح.
تقدّمت الصغرى:
– ماما، نريد حلوى. هناك محل شوكولاتة جديد.
– حبيبتي، أنا متعبة، وهناك أموال يجب توزيعها، وكسوة تنتظر، ومرضى لا يملكون ثمن العلاج…
– ماما.
– حسنًا، نرتاح قليلًا ونخرج.
قادتهما نحو المقهى. المطر كان غزيرًا. طلبت منهما الوقوف تحت مظلة الباب ريثما تركن السيارة قريبًا.
كانت تراقبهما عبر المرآة. عين على الطريق، وعين عليهما.
عاد بها الخيال إلى طفولتها: ربّتها أمّها مع أختها يتيمتين. الأب الذي ابتلعته الحرب في الثمانينيات، لم تعرف طعم كلمة «بابا». وها هي الآن أمّ وحيدة من جديد، وإن اختلفت الأسباب.
وصلت إلى المرأب. اقتربت سيارة غريبة. اقتربت أكثر مما ينبغي.
توقفت الحركة.
عرفته.
لم يكن هناك وقت.
تحطّم الزجاج، وانتشر البنزين، واشتعل كل شيء في لحظة واحدة.
كانت السيارة على مرأى من البنتين.
اختلط صراخهما بنداء أمّهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى