إبداعات الكتاب

مكبّات الفكر

بقلم: د. رﺟﺎء ﺻﺎﻟﺢ اﻟﺠﺒﻮري

في زمنٍ صار فيه كل شيء جاهزًا، لم تعد الثياب تُخاط، ولا الفرن البيتي يخبز كعكًا، ولا خيوط الصوف المهملة تتحول إلى قفازات وأوشحة. كل شيء يصل إلى باب بيتك؛ رنّة هاتف، أو صوت جرس، فتخرج لتستلم طلبك بكل بساطة.

وهذا كله إنما صُنع لراحة الإنسان. الماء يأتي من الصنبور بعد أن كان يُنقل على ظهور الدواب، والنور يشتعل بكبسة زر، والفانوس صار قطعة للزينة. حتى الطعام يمكنك أن تطلبه ساخنًا، جاهزًا للأكل. لا مشكلة في ذلك.

المشكلة بدأت حين امتدت “الجاهزية” إلى الأفكار. وليست أيّة أفكار، بل أفكار نتقاتل ونتبادل السباب والمهاترات لأجلها كل يوم، في الواقع وعلى منصات التواصل.

لقد أصبحت الفكرة أيضًا خاضعة لقانون التوصيل؛ تُطلب وتُستهلك دون عناء بحث أو تفكير. لم تعد البشرية بحاجة – كما يبدو – إلى التحقق أو التحليل. هناك أفكار جاهزة، معلبة، مغلفة بعناية، وموجهة لكل فئة… بل وعابرة للفئات أحيانًا.

كل ما عليك هو أن تتابع هذا وذاك، وتتسوّق من عقول الآخرين، دون أن تسأل: هل ما يُقال حقيقة… أم زيف؟ أم أوهام تُبث لخدمة أيديولوجيات مجهولة؟

لو تأملنا الأشياء العظيمة من حولنا، لوجدنا أنها لم تولد جاهزة. النهر بدأ بقطرة، والضوء بشرارة، والثوب الحريري كان خيطًا.

والاكتشافات العظيمة لم تكن أكثر من ملاحظة عابرة دوّنها عقل فضولي، ثم تحولت إلى فرضية، ثم إلى نظرية، ثم احتاجت إلى تجارب وأدلة وصبر وانتظار… حتى أصبحت حقيقة.

كل شيء يهمس بحقيقة واحدة: العظيم لا يأتي جاهزًا.

وكذلك الفكرة؛ لا ينبغي أن تُتَبنى، بل أن تُبنى.

ربما علينا أن نتذكر وصية سقراط: أن نسأل أمام كل فكرة: هل هي حقيقية؟ هل هي نافعة؟ هل تحمل خيرًا؟

لكن ما يحدث اليوم عكس ذلك تمامًا. نستهلك الأفكار كما نستهلك الوجبات السريعة، ونلتقط أحكامنا من هنا وهناك: هذا سيئ، ذاك كاذب، تلك فاسدة… ونتعامل معها كأنها حقائق.

دون أن نرى، دون أن نجرّب، دون أن نفكّر.

لم نعد نبني الفكرة، بل صارت عقولنا أوعية يُعاد ملؤها كل يوم، بما تبثه الشاشات وتروّجه المنصات.

مع أن الفكرة، كأي شيء حي، تحتاج أن تُرى أولًا، ثم تُجرّب، ثم تُخطئ، ثم تُعاد مرة بعد مرة، حتى تقترب من الحقيقة.

أما الأفكار الجاهزة، فليست معرفة… بل حشو.

عقلك ليس مخزنًا، ولا مكبًّا للنفايات. عقلك مساحة بناء.

وأنت لا تحتاج إلى المزيد من الأفكار، بل إلى فكرة واحدة تبنيها بنفسك من الصفر… حتى تصبح لك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى