من يقرأ في التاريخ يُصاب بالحيرة والدهشة، بل أحيانًا بالجنون، كيف لمواقف وأحداث أن تتشابه بل وتتكرر بتلك الكيفية! كيف لحالات ومآلات أن تُعاد بتلك الطريقة والحيثية!
منذ مئات السنين، وبالتحديد في أوائل القرن السابع الهجري، كان هناك مارد كبير، قوة حديثة تطفو على سطح الأحداث، مجموعة من الهمج استطاعوا أن يوجدوا أنفسهم في الساحة ويجبروا العالم كله على معرفتهم والخوف منهم، وهم التتار.
بينما كان العالم مقسَّمًا بين الفرس والمسلمين والصليبيين، إذ بذلك اللاعب الجديد يظهر في الكادر ويخطف الأضواء من الجميع. لم يخطفها بمهارته وبراعته وفروسيته، إنما خطف الأضواء بحقده وكرهه ودمويته. بدأ ذلك بالتهام التتار للصين ليزحفوا من الشرق ويتواجدوا في مواجهة الدولة الخوارزمية، التي سرعان ما وجدوا ذريعة للاحتكاك بها (قوى الشر دائمًا لن تترك الخير في حاله حتى لو هادنها). بالفعل، أخذوا من مقتل بعض التجار المغول داخل أراضي الخوارزميين ذريعة للهجوم الكاسح على أراضي المسلمين، وفي غضون شهور ابتلع التتار الدولة الخوارزمية.
في تلك الفترة لم تتوقف رسائل النجدة من الأقاليم الخوارزمية وقرى بلاد ما وراء النهر إلى الخلافة في بغداد من أجل نجدتهم، ولم يَخفَ على العالم الإسلامي كله ما يحدث للمسلمين شرقًا، لكن لا حياة لمن تنادي.
ظهر التتار ليكشفوا سوءات كثير من العباد قبل البلاد. لم يساعد التتار في غزو العالم الإسلامي فقط قوة جيوشهم وبراعة تخطيطهم، بل ساعدهم عامل آخر كان أهم من الجيوش والمعدات، وهو الخوف وحب الدنيا. كان من عوامل تجبُّر التتار وتجرؤهم على المسلمين حالة الخذلان التي أصابت الأمة. نعم، أُصيب المسلمون في عهد التتار بحالة يُرثى لها، جعلت من هذا الذئب أن يستأسد على الأمة كلها ويأكلها بلدة تلو الأخرى.
بينما كانت الدولة الخوارزمية تتعرض للقتل والإبادة، إذ بالخلافة في بغداد تُدير ظهرها لنجدة إخوانها. بينما كانت النساء تُغتصب والرجال تُقتل والشيوخ تُسحل، كان المواطن المسلم في العراق والشام يأكل ملء بطنه ويضحك ملء فمه ظنًا منه أنه في منأى عن كل هذا. عاش المواطن المسلم في العراق يسمع النغمات ويشاهد الرقصات، يتمايل الأمراء مع الجواري والعازفات في ترف وبذخ لم تشهده الأمة من قبل. لم يكن يعلم مسلمو بغداد والشام أن من يخذل مسلمًا في موضع يحتاج فيه لنصرته سيخذله الله في موضع يتمنى فيه التأييد والدعم.
بالفعل، في ظرف سنين قليلة مرَّت على أهل بغداد كأنها أيام، بعد أن انهار الشرق الإسلامي أصبحت دولة التتار متاخمة لحدود الخلافة الإسلامية، وبات على العباسيين إدراك الحقيقة المُرَّة (الشر قد اقترب). طالما استغاث بهم الغزويون – آسف، أقصد الخوارزميين – ولكن الأمة كلها كانت في سبات: ما دمت آكل وأشرب أنا وأسرتي فعلى الدنيا السلام. لم تتحرك أي دولة إسلامية لنجدة أبناء جلدتهم، وتركوا التتار يذبحونهم ذبح النعاج. وهاهم الآن قد وصلتهم رسل هولاكو يأمرونهم بتسليم بغداد أو التعرض لنفس مصير السابقين.
استيقظت الدولة العباسية على جيوش التتار تحاصر بغداد من كل المحاور.
أهل بغداد عام ٦٥٦ هجريًا أيقنوا تمامًا أن هدف التتار لم يكن الخوارزميين فقط، بل الأمة الإسلامية كلها.
لم يكن من هذا الخليفة الجبان إلا أن أعلن استسلامه للتتار أملًا في عهد أعطوه له بالحفاظ على حياته. وبعد أن دخل هذا السفاح هولاكو أرض بغداد، وفتح له الخليفة المتخاذل أبواب العاصمة العباسية، إذ بذلك القاتل يعطي أمرًا عسكريًا باستباحة بغداد (الاستباحة في الحرب معناها أن يفعل كل جندي ما يحلو له من حرق أو قتل أو اغتصاب دون رابط أو رادع).
نعم، استُبيحت بغداد، وتم في خلال شهر قتل ما يقارب مليون مسلم!
قُتل الشيخ والطفل، الرجل والمرأة. قُتلت تلك الأسرة التي حلمت بمستقبل لأولادها وامتنعت عن مساعدة إخوانها. قُتل ذلك الرجل الذي غض بصره وصم أذنه عما يحدث لإخوانه في الشرق وظل يحلم بمستقبل مشرق لأولاده! وهاهو أولاده قُتلوا أمامه وضاع مستقبلهم، بل ضاع وطنه كله.
نعم، سقطت بغداد، ولكن قبل أن تسقط سقط كل المتخاذلين الذين رأوا من التتار عدوًا بيِّنًا وراحوا يهادنونه ويصالحونه. سقط أمراء حلب والموصل الذين ساعدوا هولاكو في غزو إخوانهم، بل وفتحوا له مجالهم البري من أجل دخول أراضٍ سهلة المرعى لخيولهم! بل أزيدك من البيت شعرًا، لقد ساعد بدر الدين لؤلؤ هولاكو بفرقة عسكرية في حصار بغداد!!
وصلت الأمة إلى منحدر لم تصل إليه من قبل، ولكن كانت الجائزة الكبرى وهو انقلاب هولاكو عليهم والقضاء على كل هؤلاء الخونة.
إن التاريخ يا سادة ليس قصة للتسلية أو متعة للقراءة، بل هو روشتة قديمة تصلح لأمراض العصر وتعطيك الدواء لكل داء. فمن شاهد التتار ويشاهد الآن ما يحدث من الكيان في غزة من استفزاز للعالم الإسلامي كله، يعلم أن هذا الكيان لن ينفع معه أسلوب الاكتفاء بحالك في بلدك وغلق بابك عليك لتكون كافًّا شرك. لا… سيصل إليك هذا الكيان أينما كنت ويتحجج للاحتكاك بك.
لم يوقف غطرسة التتار إلا الرجال الحقيقيون، مثلما فعل قطز وبيبرس في عين جالوت. أعدوا العدة وجهزوا الجند وحاربوا كالرجال، لم يُسلموا أو يُهادنوا كما فعل المستعصم وبدر الدين لؤلؤ، بل أخذوا بكل سبل النصر فَوَقاهم الله شر هذا العدو.
إن ما يحدث في غزة لن يقف عند حدودها، ولو استمرت الأمة تكتفي بالمشاهدة لجزء غالٍ علينا وهو يُباد علنًا، فبالتأكيد لن تكون فلسطين المحطة الأخيرة عند أبناء صهيون. وكما كان حماة الزيتون هم السابقون، أخشى كل الخشية أن نصبح نحن اللاحقون.


