آنا، ورغم أنها على بعد خطوات قليلة من منعطف الخمسين، إلا أنها لا تجيد أداء دور السيدة الكبيرة، المرأة النكدة التي لا تتحدث إلى أحد ولا تبحث عن أصدقاء جدد. لا تزال تنجذب إلى أحاديث الصبايا، وأوقاتها المفضلة هي التي تمضيها في أحاديث شبابية مع من يصغرنها بعقد أو أكثر.
تكره دور المرأة المتصابية، هذا مؤكد، لكنها ما تزال غير معتادة على دور grandma-to-be الذي أُلقي عليها فجأة!
كانت تنتظر دورها في عيادة طب الأسنان حين سالتها فتاة تبدو في مقتبل العشرينات عن ما إذا كانت تعرف الطبيبة وهل هي حقًا ماهرة في حقن الفيلر وتجميل الذقن.
أجابت آنا بأنها تعرفها كطبيبة أسنان ولم تجرب مسألة الحقن بعد.
رغم أن الموضوع كان يراودها كثيرًا في الشهور الأخيرة.
فكرت آنا أن الانتظار سيطول، وأن لا ضرر من فتح حوار جانبي مع الفتاة المشغولة برسمة شفاه عصرية:
– ما هوايتك؟
– أتابع أفلام.
– أفلام أجنبية؟
– لا، أفلام عربية قديمة.
– حقًا؟ تحبين أفلام فريد الأطرش وفاتن حمامة وعبد الحليم؟
– لا، لا ، أفلام مثل أحلى الأوقات، بنات وسط البلد، مافيا.
ارتفع حاجبا آنا حتى وصلا منتصف جبينها، ثم أعادتهما إلى موضعهما بخيبة ولاذت بالصمت.
نودي على اسمها ، فمشت وهي لا تزال مشغولة بحكاية أفلام الألفينات وأواخر التسعينات التي صارت قديمة. حاولت أن تعد السنين على أصابعها، ثم نفضت كفيها بيأس حين خلصت إلى أن الفتاة على حق: هي فعلاً قديمة، وإن كانت لا تزال تبدو جميلة.
أكملت جلسة تصليح أسنانها التي أصابتها آفة الزمن هي الأخرى، وعادت إلى البيت وهي تردد بيتًا شعريًا تجهل صاحبه:
“وصغيرة بالباب تسأل أمها، أحقًا إذا مرّ الزمان سنكبرُ؟”
نامت آنا باكرًا تلك الليلة بحجة أن إبرة البنج دوختها. وفي منامها، رأت أنها أضاعت دواء الضغط، وأنه سقط منها في بئر لا قرار لها. مشت في حلمها حتى وصلت إلى البهو الواسع ذي الشبابيك الكثيرة المطلة على كل شيء، ذاك البهو الذي تعرفه جيدًا.
كان جالسًا هناك على ذات الأريكة التي احتضنته قبل أربعين سنة …
والتلفزيون القديم ذو البدن الخشبي والأزرار المذهبة يعرض مشهدًا لكاميرا من طراز قديم، ورجل يضع سماعتي أذن، يشير بإصبعه بالرقم اثنين.
التفتت آنا إليه:
– ماذا يقصد يا أبي؟
– دقيقتان، بنيتي، دقيقتان فقط تفصلانا عن كأس العالم!
كانت آنا تنظر إلى المكان بعين الحنين، حين صاح والدها صيحة احتفالية صاخبة أسمعت كل أهل الحي، لتنطلق بعدها صيحات مماثلة من البيوت المجاورة. قفزت آنا فرحًا، لتجد نفسها على فراشها في بيتها، ومكان إبرة البنج لا يزال يؤلمها. إنها السادسة من صباح الأول من نيسان 2026، والحي كله يصيح بذات الصيحة التي أطلقها بابا قبل أربعين عامًا، وفي حلمها قبل ثوان:
“دقيقتان يابة.. دقيقتان طويلتان.”

