إبداعات الكتاب

لعنة الذاكرة وذنب النجاة

بقلم: د. رﺟﺎء ﺻﺎﻟﺢ اﻟﺠﺒﻮري

أشرقت الشمس على الجرف الصخري حيث قضى سيزيف ليلته متوسداً صخرة لعنته. وما إن انحسر ظلام الليل حتى نهض ليمضي يوماً آخر في دفعها نحو القمة، قبل أن تنفلت من بين يديه وتعود متدحرجة إلى القاع، فيعود خلفها من جديد.

هكذا تمضي أيامه؛ تحت شمس الصيف القائظة، وفي زمهرير الشتاء، وبين رياح الخريف، وعلى وقع زقزقة العصافير وخرير الجداول في الربيع. يدفع الصخرة إلى أعلى، فتخذله القمة في اللحظة الأخيرة، وتهوي الصخرة إلى السفح، كأن الجبل نفسه يأبى أن يتركها تستقر.

تحكي الأسطورة أن سيزيف خدع الموت، فاستحق عقاباً أبدياً. لكن أحقاً يُخدع الموت، ويُصفَّد قاطف الأرواح؟

الحقيقة أن كل ما فعله سيزيف أنه نجا من الموت.

لقد نجا بينما مضى الآخرون. شأنه شأن كل ناجٍ يخرج من تحت ركام كارثة حاملاً معه ذلك الحمل الثقيل المتمثل في ذنب النجاة، المخبأ خلف سؤال لا يستطيع إسكاته:

لماذا أنا؟

لماذا نجوت؟

ذلك الشعور الموجع بالذنب؛ ذنب البقاء، ذنب الهواء والماء والخبز.

يواصل الناجون حياتهم، يبتسمون، وتجرفهم دوامة الأيام، حتى يوشكوا على تصديق أنهم تجاوزوا ما حدث. ثم تكفي صورة عابرة، أو رائحة مألوفة، أو اسم يُذكر مصادفة، حتى تُرفع ستائر النسيان عن ذاكرة مثقلة بالصور والأسماء والقصص، كصخرة أفلتت من القمة وعادت إلى القاع.

من هذه الزاوية تبدو الأسطورة أقل حديثاً عن العبث، وأكثر حديثاً عن الذاكرة. فالصخرة ليست حجراً أصم، بل كتلة من الوجوه الغائبة، والأسماء المنطفئة، والوداعات المؤجلة. وكلما دفعها سيزيف إلى الأعلى، بدا كأنه يحاول إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه، أو تأجيل سقوط يعرف في قرارة نفسه أنه واقع لا محالة.

وحين تتدحرج الصخرة إلى السفح،. يمضي خلفها بهدوء لان النسيان خطيئة اخرى لا يريد ان يضيفها إلى ذنب نجاته

ما زال سيزيف يصعد الجبل حتى اليوم؛ لأنه لا يمثل الإنسان الذي عوقب بالعبث، بقدر ما يحكي عن الإنسان الذي نجا، ثم أمضى عمره كله يحمل آثار من لم ينجُ.

فبعض الصخور لا تستقر في قاع الجبل أبداً، بل تستقر في أعماق من بقوا أحياء، هناك حيث لا يبلغها النسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى