ربما تكون عبارة «ليس لدي وقت» هي الأكثر استخدامًا في عصرنا، ولو أردت أن أكون أكثر حزمًا، فلعلي أقول إنها الكذبة الأكثر شيوعًا في العصر الحديث.
وقد أذهب أبعد من ذلك لأقول إنها أيضًا الأكثر تصديقًا.
نقولها ونحن نعتذر عن تأخرنا في قراءة كتاب، أو الرد على رسالة، أو ممارسة هواية، أو زيارة شخص عزيز، أو البدء في مشروع أجلناه طويلًا.
لكن، هل نحن فعلًا لا نملك الوقت؟
أم أننا لا نملك الرغبة الكافية في أن نمنح هذا الأمر تحديدًا شيئًا من وقتنا الثمين؟
فالوقت، بطريقة غريبة، يجد طريقه دائمًا إلى الأشياء التي نحبها.
الجميع مشغولون. لا أحد يملك الوقت الكافي حتى ليرد على «صباح الخير» بصباح مثله، ومع ذلك لا يزال عاشق الشاي، مهما ازدحم يومه، يجد وقتًا لقوري الشاي.
يملؤه بالماء، ويضعه على الموقد، وينتظر دقائق قد تطول أو تقصر حتى يغلي الماء. ثم يضيف أوراق الشاي الجافة، وينتظر عشر دقائق أخرى حتى يتخدر الشاي على مهل. وبعدها يسكبه في استكانات شفافة، ويقف دقيقة احترام لذلك الاحمرار الساحر، ودقيقة أخرى للتشبع برائحته، ليبدأ بعدها بارتشافه حسوة تلو حسوة.
كل ذلك الوقت أهدره شخص مشغول جدًا.
لكنه لم يعتبره وقتًا مهدورًا.
لأنه يحبه.
وهنا تكمن الحكاية.
سيدة أخرى قد تهدر ــ من وجهة نظر شخص لا يعنيه الأمر ــ خمسًا وأربعين دقيقة من صباحها في اختيار ملابسها، وتنسيق إطلالتها، ووضع مكياجها. وقد تقضي ساعتين في المساء بين كريماتها ومستحضرات العناية ببشرتها.
هي أيضًا مشغولة.
لكنها وجدت من الوقت ما تنفقه فيما يهمها.
وجارتنا قد تنفق ساعات الظهيرة في سقي أزهارها، وتقليب تربة أصصها، وإزالة ورقة ذابلة هنا، وتعديل غصن هناك، والحديث مع وردة لا تستطيع أن تجيبها.
لو سألتها: «ألا تجدين هذا الوقت طويلًا؟»
قد تنظر إليك باستغراب.
فهي لم تكن تبحث عن وقت للعناية بأزهارها.
لقد كانت تبحث عن وقت لنفسها، وعثرت عليه بين أصيصين من الورد.
نحن لا نوزع وقتنا وفقًا لمدى انشغالنا فقط، بل وفقًا لما يحتل مكانة في داخلنا.
قد يكون يوم شخص ما مزدحمًا إلى درجة أنه لا يستطيع أن يجد عشرين دقيقة للقراءة، لكنه يستطيع أن يجد ساعة كاملة لمباراة.
وقد لا تجد امرأة وقتًا للرياضة، لكنها تجد كل مساء وقتًا لمسلسل تتابعه بشغف.
وقد يقول أحدهم إنه لا يملك وقتًا للكتابة، ثم يجلس ساعتين يتصفح هاتفه دون أن يشعر.
إذن، المسألة ليست دائمًا في عدد الساعات التي نملكها.
المسألة في ما الذي يستحق أن نقتطع له ساعة من يومنا؟
ولهذا، فإن عبارة «لا أملك الوقت» قد تكون صحيحة أحيانًا، بالطبع.
هناك أيام تضيق فيها الحياة فعلًا، وتتراكم المسؤوليات، ويصبح المرء عاجزًا عن منح نفسه حتى أبسط الأشياء.
لكنها في كثير من الأحيان ليست وصفًا لنقص الوقت، بقدر ما هي وصف لمكانة الشيء في قائمة أولوياتنا.
فحين نقول: «ليس لدي وقت للقراءة»، قد يكون المعنى الحقيقي أننا لم نمنح القراءة مكانًا في يومنا.
وحين نقول: «ليس لدي وقت للكتابة»، قد يكون المعنى أننا لم نمنح الكتابة من الشغف ما يجعلنا نقتطع لها ساعة من يومنا.
فالوقت لا يزيد لمن نحب، ولا ينقص عمّن لا نحب.
نحن فقط نختار، بوعي أو من دونه، أين نضعه.
نحن لا نملك وقتًا أقل مما نحتاج؛ نحن فقط نمنح وقتنا لما نحب أكثر.


