هناك أشخاص يغادرون الحياة لكنهم لا يغادروننا أبدا
يمضي الوقت وتستمر الأيام ونعود إلى أعمالنا ونضحك مع من حولنا ونتحدث ونمارس تفاصيل حياتنا وكأن كل شيء أصبح طبيعيا لكن في مكان عميق داخلنا يبقى شيء لم يعد كما كان
الفقد لا يعني أن نتوقف عن الحياة
ولا يعني أن نبقى عالقين في الحزن إلى الأبد
لكنه يعني أن نتعلم كيف نعيش وفي داخلنا مساحة تحمل غياب من أحببنا
تمر السنوات وقد نظن أننا نسينا
ثم تأتي لحظة صغيرة تعيد كل شيء
رائحة تشبه رائحته
أغنية كنا نسمعها معا
مكان اعتدنا أن نذهب إليه
كلمة كان يكررها
صورة قديمة
أو حتى ضحكة تشبه ضحكته
وفجأة نشعر أن المسافة بين الماضي والحاضر لم تكن كبيرة كما تصورنا
نتذكر تفاصيل ظننا أننا تجاوزناها
نتذكر أحاديثنا الطويلة وضحكاتنا ومواقفنا الصغيرة
نتذكر الأماكن التي جمعتنا والطرقات التي مشينا فيها معا
نتذكر كيف كان وجوده يجعل بعض الأيام أكثر دفئا وكيف كان مجرد صوته قادرا على أن يغير مزاج يوم كامل
الحقيقة أن بعض الأشخاص لا يصبحون جزءا من الماضي بعد رحيلهم
بل يصبحون جزءا من تكويننا
نحملهم معنا في طريقة تفكيرنا وفي بعض كلماتنا وفي الأشياء التي نحبها دون أن نشعر
وقد نجد أنفسنا نبتسم عندما نتذكر موقفا جمعنا بهم ثم نشعر بغصة في اللحظة نفسها لأننا نعرف أن ذلك الزمن لن يعود
وهنا ندرك أن النسيان ليس هو الشفاء
الشفاء الحقيقي أن نستطيع أن نتذكر دون أن ننكسر كل مرة
أن نحزن دون أن نفقد قدرتنا على الحياة
أن نشتاق دون أن نشعر بأننا عاجزون عن الاستمرار
أن نحمل محبتهم معنا بطريقة تجعل وجودهم في ذاكرتنا مصدرا للدفء لا سببا دائما للألم
فبعض الأحبة يرحلون عن أعيننا فقط
أما عن قلوبنا فلا يملكون الرحيل
يبقى لهم مكان لا يطاله الزمن
ولا تغيره السنوات
ولا تمحوه المسافات
مكان خارج حدود الزمان
هناك حيث ما زالت ضحكاتهم حاضرة
وما زالت كلماتهم تعيش في الذاكرة
وما زالت الأماكن تحمل شيئا من خطواتهم
وما زال القلب يعرفهم كما لو أن الرحيل حدث بالأمس
ربما لا نستطيع أن نعيد من فقدنا
لكننا نستطيع أن نحافظ على أثرهم فينا
أن نحكي عنهم بمحبة
أن نتذكرهم دون خوف
وأن نكمل الطريق ونحن نعرف أن بعض الغياب لا ينتهي
لأن من أحببناهم بصدق لا يموتون بالكامل
إنهم ينتقلون من الحياة التي كنا نراهم فيها
إلى حياة أخرى تسكن داخلنا
وهناك يظلون معنا
خارج حدود الزمان



