جميع الحروب والخطط الاستعمارية كانت في أقصى ظروفها وأصعب فتراتها تعمل من أجل القضاء على البلد المستهدف ونهب خيراته ومقدراته، كان هذا منهج معظم الإمبراطوريات بداية من البيزنطيين، الفرس، الهكسوس، التتار، وفي العصر الحديث الإنجليز والفرنسيين، كانت أهدافاً متشابهة وإن اختلف أسلوب ومنهج التنفيذ فكانت قاسية جداً مع التتار وخبيثة جداً مع الإنجليز على سبيل المثال، ولكن ظهر نوع مختلف منذ بداية القرن الماضي نوع لم نعرفه من قبل؛ هل هو استعمار أم نهب مقدرات أم طمس هوية أم قرصنة دولية؟
هذا النوع كان له حقوق ملكية حصرية لأحد زعماء اليهود (تيودور هرتزل) مؤسس دولة الصهاينة، كيف جاء في خيال ذلك الرجل الخبيث تلك الفكرة وهي ليست الاستيلاء على أرض للاستفادة من خيراتها فحسب، بل ذهب عقله إلى أبعد من ذلك وهو إحلال وتبديل شعب مكان شعب آخر..!!
نعم كانت تلك أمنية وحلم ذلك الرجل، بدأ على الفور في التخطيط لها وأخذ يجوب العالم كله للبحث عن وطن يجمع به أبناء يعقوب، ذهب لأمريكا اللاتينية وفكر في أوروبا وأخذ يتخيل الوضع في أفريقيا إلى أن استقر خياله المريض على أرض الميعاد -على حسب زعمه- ووجد أن موقع فلسطين هو أهم موقع لما له من أهمية إستراتيجية قرب منتصف قارات العالم مما يسهل على اليهود التجمع والذهاب له، ناهيك عن مكانة فلسطين الدينية والتاريخية.
إذن فقد وجد الأرض ولكن تبقى له مشكلة كبرى وهي آلية التنفيذ، فكما ذكرنا أن هدفه هو إحلال شعب مكان شعب، وبالطبع لن تتم الخطة كاملة مرة واحدة إذ لا بد من التدرج والإعداد لذلك المخطط الشيطاني. عقد مؤتمر بازل السويسري عام ١٨٩٧ وجمع أهم الشخصيات اليهودية في العالم لدعم قضيته.
استعان بالمليونير روتشيلد الذي كانت معه أموال فقط كفيلة لشراء سندات قناة السويس. فعل تيودور هرتزل كل ما تتخيل أن يفعل من أجل إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين؛ ذهب لإمبراطور ألمانيا، للنمسا، للقيصر الروسي، للإنجليز والفرنسيين بل وذهب للسلطان عبد الحميد الثاني (الخليفة العثماني آنذاك) وعرض عليه الأموال الطائلة بحكم أن فلسطين كانت تتبع الخلافة العثمانية.
كان لقاؤه بالسلطان عبد الحميد مصيرياً بل وتاريخياً، واتسم اللقاء بقوة وإخلاص السلطان عبد الحميد الذي ما كان له إلا أن طرد ذلك التيودور وحذره، بل وأصدر قرارات بعدها بتحديد أوقات الحج لليهود داخل فلسطين بحيث تكون أوقاتاً محددة لا تطول عن فترة زمنية معينة ويتم التفتيش لذلك، تم التضييق على اليهود في فلسطين بعدما أحس السلطان عبد الحميد بنواياهم الخبيثة هناك والتي دفعت هرتزل أن يعرض عليه رشوة صريحة بمبلغ خيالي من أجل هجرة اليهود هناك، لكن قوبلت كل مساعيه بالرفض من كل الأطراف…
هل استسلم هرتزل ورضخ للوضع القائم أم حاول مرة أخرى من أجل ما يعتقد ويؤمن؟
… يتبع في المقال القادم.


