كما ذكرنا في المقال السابق أن تيودور هرتزل لم ييأس وحاول مع كل الأطراف من أجل وطن قومي لليهود في فلسطين، لكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه.. لم يكمل الطريق هرتزل، حيث توفي قبل أن يرى حصاد غرسه، لكن أعوانه على الدرب مستمرون، استمرت الجمعيات اليهودية في محاولة نقل يهود العالم لفلسطين، كانت العقبة الوحيدة أمامهم السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان قد وضع منشوراً بتقييد أعداد اليهود وزيارتهم لفلسطين، بحيث تعتبر الزيارة مقصورة على الجانب الديني فقط وبعدها عليهم الخروج من البلد، كَوَّن اليهود جمعيات سرية مناهضة للسلطان في تركيا نفسها، مثل حزب الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة والتي كانت تدعو ظاهراً للحرية والتنوير وباطناً للتخلص من السلطان عبد الحميد، وبالفعل نجحت في خلال بضع سنوات في السيطرة على الرأي العام التركي وخرجت القوى السياسية لعزل السلطان عبد الحميد، كان المحرك الأساسي لتلك الأحداث حزب الاتحاد والترقي بل إن شئت فقل اليهود أنفسهم، مما يدعو للسخرية أن من كان يلقي جواب العزل للسلطان آنذاك ثلاثة من بينهم رجل يهودي…!!
بالفعل أصبحت السيطرة الفعلية على تركيا لحزب الاتحاد والترقي..
أو إن شئت قل، اليهود من وراء الستار وبدعم من القوى العظمى، لكن ترى هل كانت تلك أقصى أماني اليهود؟؟
ليس بعد فهي مجرد خطوة هامة، ما زال هناك عقبة وجود فلسطين تحت الحكم العثماني!! نعم هو أصبح رجلاً مريضاً لكن يجب القضاء الفعلي عليه، فكان لا بد من تزامن ذلك مع أحداث عالمية هامة ومنها:
١- الحرب العالمية الأولى وانقسام العالم بين معسكر إنجلترا وإيطاليا وروسيا وفرنسا ضد ألمانيا والنمسا، والتي وجد اليهود فيها فرصة ذهبية لإقحام الأتراك في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل وبالتحديد في المعسكر الأضعف مع الألمان كي يتم القضاء على ما تبقى من جيشه.
٢- ما يسمى بالثورة العربية الكبرى حيث قام الشريف حسين والي الحجاز بالثورة ضد حكم الأتراك ورفع الشعارات العربية القومية وذلك بتحريض من الإنجليز وبتنسيق من ضابط المخابرات الإنجليزي يهودي الأصل (لورانس العرب)، فأصبحت الحجاز وبعض الدول العربية تحارب الخلافة العثمانية بجانب الإنجليز.. وقد تم عقد اتفاق للشريف حسين بتولي قيادة مملكة مكونة من الحجاز والعراق والأردن على أن تستثنى لبنان (تقدم لفرنسا)، بينما فلسطين (بيت القصيد) من المنتظر أنها ستقدم على طبق من فضة لمحرك تلك الأحداث كلها وهم اليهود طبعاً.
٣- معاهدة سايكس بيكو بين فرنسا وإنجلترا وكانت معاهدة سرية في روسيا تنص على تقسيم التركة العثمانية بين البلدين ونقض العهد مع الشريف حسين.
٤- وعد بلفور وزير خارجية إنجلترا عام ١٩١٧ باعتبار فلسطين وطناً قومياً لليهود (وعد القرصنة) (وعد إحلال شعب مكان آخر).
٥- لم يكتفِ اليهود باللعب في الملعب العربي فقط بل كانت أذرعهم تمتد أيضاً لحلفائهم حيث بدأت اتصالات سرية بين اليهود وألمانيا مما سبب القلق لبريطانيا وخصوصاً بعد بوادر انقلاب كبير في روسيا حيث بدأت جمعيات سرية تدعو للشيوعية والانقلاب على القيصر وكانت أيضاً بتخطيط من اليهود.
لكن يتساءل أحدكم كيف تعطي إنجلترا وعداً علنياً ولم تدخل جيوشها فلسطين؟
حتى الآن.. الحرب ما زالت قائمة ولكن هذا سيغضب العرب ويؤثر على الاتفاقات المبرمة، ولكن هذا التساؤل لم يشغل الإنجليز كثيراً فقد أعدوا من يستطيع التنسيق في ذلك الأمر، وهو كمال أتاتورك الذي أُسندت له قيادة الجيش التركي في منطقة فلسطين، كان أتاتورك عضواً في جمعية الاتحاد والترقي.
ولك نص الاتفاق بين أتاتورك والإنجليز وهو الانسحاب من جبهة القتال في فلسطين تاركاً أكثر من مئة ألف جندي تركي والمدنيين أمام جيوش الإنجليز مقابل أن تُعطى تركيا له، تم تنفيذ الاتفاق ولم تجد إنجلترا أيّاً من الأتراك فقد انسحب أتاتورك بجيشه، أما العرب فقد كان أمير الحجاز مشغولاً بالثورة العربية تاركاً الأقصى والمقدسات!! كان هذا الدخول في نوفمبر ١٩١٧…
من هنا تبدأ فلسطين فصلًا آخر ومختلفاً من قصة القرصنة، أصبح على أهالي فلسطين الحبيبة التعامل مع ذلك المحتل الجديد الذي جاء من خلفه لص شديد البجاحة لا يريد نهب مقدراتهم وخيراتهم فقط بل يريد أن يحل مكانهم ويعيش على أرضهم…
يتبع في المقال القادم.



