

مالت الشمس صوب مغيبها، وبهت الضياء المتسلل عبر زجاج النافذة. لم تفطن آنا إلى العتمة وهي تزحف إلى زوايا الغرفة. كانت تجلس متكئة
على كرسيها المفضل، وقد سرق الكتاب الذي بين يديها اهتمامها
بالكامل.
انفتح باب الغرفة باندفاع مرح، ودخل ابنها اليافع، يمشي وحماسه
يسبقه.
—ماما، ماما… دعيني أحدثك عن مشهد شاهدته هذا اليوم. إنه مقتطع
من فيلم معروف، لا بد أنك تعرفينه…
أومأت آنا برأسها مع ابتسامة مشجعة.
شرع الابن في الحكي. تكلم عن مقاتل شجاع يخوض معركته الأخيرة،
بوصفها صراع ً ا بين الخير المطلق والشر المطلق. كانت آنا تسمع بعقلها
أكثر مما تسمع بأذنيها، فتذكرت ذلك المشهد من فيلم «المبارز».
وجود لها إلا في عالمه، ويفتح بوابة بيته التي لا يراها أحد سواه. الحلبة، وكيف ظل يتأرجح بين الوعي والغيبوبة، يتحسس سنابل قمح لا استرسل ابنها في وصف الجندي الذي سقط مضرج ً ا بدمه على أرض
ود ّ ت آنا لو تطلب منه أن يتوقف، لكنها لم تستطع، فعلى الأمهات أن
ينصتن حينما يتكلم الأبناء.
طافت بين جفنيها دمعة، جهدت أن تمنعها من الفرار بين قضبان
أهدابها.
أكمل الولد حديثه ثم غادر، تارك ً ا أمه وحدها مع عتمة الغرفة وسيل
الذكريات.
هو لا يعلم شيئًا عن كابوس أمه.
ولا ينبغي له أن يعلم.
على الصغار أن يكبروا بعيد ً ا عن كوابيس الكبار.
عادت آنا إلى كتابها، تحاول أن تهرب من أكداس الصور التي راحت تتداعى
في وجدانها. قرأت بضعة أسطر، ثم أغلقت الكتاب. صار التركيز شبح ً ا
يتعذر القبض عليه.
w w w . n o u r a b u d e i r i . n e tالع|
التاسع و السبعون – سبتمبر 20261إبداعات اﻟﻜ ُ تاب
بقلم
د. رﺟﺎء ﺻﺎﻟﺢ اﻟﺠبوري
تحسست الغاف، ومسدت حروف العنوان، كأنها تحاول أن تقرأها ببنانها.
وصمة على جبين البشرية.
عنوان مثير للتساؤلات.
عن أية وصمة عار أراد فيليب روث أن يتحدث؟
فجبين البشرية مكلل بالوصمات.
الكذب؟
العنصرية؟
نكران الأصل؟
أو ربما شيء آخر لم تصل إليه بعد…
حل الليل، وأسدل الظام ستائره على الكون. أكملت آنا أعمال المنزل، ثم
آوت إلى فراشها، تنشد نوم ً ا تعلم أنه سيأبى أن يأتي.
انغمست في القراءة، كأنها لا تأبه للصور التي كانت تتشكل في وعيها، استندت إلى وسادتها، وعادت إلى الرواية التي رافقتها ذلك المساء.
فيما كان عقلها يعمل بإصرار على المقاربة بين كابوسها ومشهد
ماكسيموس في فيلم «المبارز».
تذكرت كيف وقفت الأميرة وسط الجموع وقالت:
“He was a soldier of Rome. Honor him.”
ثم نادى غراكوس:
“Who will help me carry him?”
فتدافع الرجال لحمل المقاتل الشجاع وتشييعه بما يليق به.
تخيلت ماكسيموس يصارع غياهب الردى، يمرر كفه ليتحسس سنابل
قمحه التي احترقت منذ زمن، ويفتح بوابة بيته الذي لم يعد موجود ً ا على
الأرض.
وفي لحظة، بدأت الصور تتداخل.
الأصوات القادمة من الذاكرة البعيدة صارت قريبة إلى مسمعها.
وقع خطواته في ذلك الزقاق.
البيوت المتراصة.
ضحكة تعرفها جيد ً ا.
وصمة على جبين البشرية
w w w . n o u r a b u d e i r i . n e tالع|
التاسع و السبعون – سبتمبر 20261إبداعات اﻟﻜ ُ تاب
بقلم
د. رﺟﺎء ﺻﺎﻟﺢ اﻟﺠبوري
وصمة على جبين البشرية
ثم تغير المشهد.
دخان يتصاعد في كل مكان، ووجوه متعبة، وتلة من الركام المشتعل.
رأته من بعيد يعدو حافيًا على جمرات الحديد والحجارة الملتهبة، غير آبه
بجرح ينزف في إحدى قدميه.
انحنى فوق أطال شباك، وبدأ برفع الحجارة.
صرخ والدمع يخنق صوته:
— اصمدي، أمي… اصمدي. أنا قادم.
تقاطر الرجال من أطال البيوت المحيطة، وانضموا إليه يرفعون الحجارة،
حجرًا تلو الآخر.
حتى أطلت الأمومة.
لكنها لم تكن معطرة بالمسك.
بل أطلت معفرة بالتراب، مضرجة بالدم، عابقة برائحة البارود.
عا نحيبه.
انحنى، قبّل جبينها، ليختلط دمعه بدمها، وينعجن التراب.
حمل مع الرجال جثمان أمه الشهيدة.
صاح في الفضاء المخر ّ ب:
— لنكرم أمي، يا رجال…
استيقظت آنا قبل الفجر.
كانت الدموع تسيل على خديها.
وكتابها لا يزال على حجرها.
مدت كفها وتحسست غافه من جديد، ومسدت حروف العنوان بأطراف
أصابعها.
وصمة على جبين البشرية.
حدقت في الكلمات للحظة…
الآن عرفتها.
إنها الحرب.
w w w . n o u r a b u d e i r i . n e



