إبداعات الكتاب

وحشٌ في ساحة العيد

بقلم: د. رﺟﺎء ﺻﺎﻟﺢ اﻟﺠﺒﻮري

ظهرت آنا ذلك الصباح بثوبها السماوي المكشكش، وفي يدها حقيبة بيضاء لامعة، تنتعل حذاءً بذات لون الحقيبة. تقف أمام المرآة، رشت القليل من العطر، ونظرت في المرآة تتفقد ظفيرتيها اللتين كانتا مرتبتين كما ينبغي لطفلة في صباح يوم العيد.

خرجت بعدها عبر القنطرة إلى الباب ثم إلى الزقاق، حيث كلٌّ من فاطمة وأمل بانتظارها، ليذهبن معًا إلى ساحة العيد، حيث الألعاب والأراجيح والبالونات، وكل ما يحمله عيد ذلك الزمن من مظاهر الفرح.

وبعد مشوار من عشر دقائق مشيًا على الأقدام، ومرور سريع على بيت الجدة، وصلن أخيرًا إلى الساحة الترابية المتأخمة لأحد مزارات مدينة الموصل القديمة…

أراجيح في كل مكان.. أرجوحة بمقاعد منفردة ترتفع ها هنا.. وأرجوحة بشكل صندوق تنطلق فيعلو صرير سلاسلها ها هناك.. وعلى بعد خطوات كان ثمة دولاب هواء يدوّره بأقصى ما يستطيع صبيٌّ يعرج من احدى ساقيه
صخبٌ عجيب يملأ المكان.. فهذا ينادي:
_ أهل العيد.. أهل العيد..
وذاك يقول:
_ شعرية يا ولد…
وطفلة ضالة تبكي، تبحث عن طريق العودة إلى البيت. كانت آنا تتطلع حولها، حينما غطّى على ضجيج المكان صوت عربة خيل تجلجل أجراسها مقتربة…

وقفت العربة، ليترجل منها جَمعٌ من الفتيات المتأنقات بثياب العيد، وشرائط الشعر الملونة، وطلاء الأظافر اللمّاع. أفرغت العربة ركابها؛ ليشرع الحوذي بالمناداة:
_ فرة بدرهم.. فرة بدرهم.. أهل العيد.. أهل العيد..

كانت رهبة المكان قد استحوذت على آنا، فسرحت مع خيالاتها، لتوقظها أمل من شرودها، هامسةً بتذمر بيّن:
_ يالله، لا تصفنين.

مشين بعد ذلك تقودهن فاطمة، وهي الأكبر سنًّا، يمخرن عباب الحشود باتجاه قلب الساحة، حيث يتربع الوحش… الخشبي العملاق…

أرجوحة خشبية عملاقة تُنصب كلَّ عام مرةً أو مرتين…

تدور حول محورها دورة شبه كاملة، مصدرة زعيقًا مرعبًا، أشدَّ رهبةً من صوت دايسكي حين يصيح:
_ الموتُ للغزاة.

وقفت آنا تحملق في أرجوحة الخشب التي حذرتها أمها من الاقتراب منها، متعللةً بأنها أضحت قديمة جدًا، وأن خشب أعمدتها قد أكله السوس، وأنها قد تسقط في أي لحظة.

وأكدت الجارة أنها ذات الأرجوحة الخشبية التي كانت تلهو بها في تلة ريمة قبل عقود.

تخيلت آنا جارتهم الخمسينية تعلو وتهبط مع الأرجوحة العملاقة، وهي تحمل الدنبك، وتلهج بأغاني ذاك الزمن.

من جديد أيقظتها “أمل” من أحلام اليقظة بلكزة على كوعها…

كانت فاطمة مصرّة على تجريب الأرجوحة الخشبية.

صعدت بالفعل إلى الأرجوحة، بينما وقفت البنتان الأخريان هناك بذهول يشوبه بعض القلق، بانتظار أن تكمل بالأرجوحة دورتها، لتعود فاطمة ويبدأن باللعب…

اهتزت أعمدة الخشب، ودارت مسننات الأرجوحة الهرمة، وعلا صوت الفتيات المبتهجات … وبعد ثوانٍ قليلة… اهتز العمود الشمالي وترنح، مالت الأرجوحة، وهوَتْ على القائمة التي انكسرت، فصاحت الفتيات بذعر، وعلا نحيبهن…

حاول رجل كان يقف قريبًا إيقافها قبل أن تسقط أرضًا؛ لكنها كانت تنطلق بأقصى سرعتها…

ثوانٍ من الاهتزاز العشوائي المصحوب بصراخ الفتيات، ثم انهار كل شيء…

انتُشلت فاطمة من بين الفتيات المرتعبات من هول السقوط.

كانت شاحبةً، بشفاه بيضاء…

تحدث أبناء الحي بعدها عن فتاة نُقلت إلى المشفى بسبب إصابة في الرأس، وأخرى عانت من كسر في الذراع، وعدد لا بأس به من الرضوض والخدوش التي أصابت بعض فتيات العيد ذلك الصباح.

انتهى العيد عند ذلك الحد … أمضت آنا ما تبقى من أيامه بين جدران البيت وتحت سقفه، تلهو بدماها وشخصيات قصصها المتخيلة على ذات السلم العتيق الذي نسجت على درجاته أغلب قصصها.

وبعد يومين ارتحلت أمل إلى بيت جدها… أملًا بعيدًا لا يحمل إصابات…

مرت على آنا أعياد كثيرة بعد ذلك، ولا يزال ذلك الوحش الخشبي الصاخب ماثلًا في ذاكرتها، يعود للدوران من جديد، جالبًا معه صرير الأراجيح، ومناداة الباعة، وجلجلة عربة الخيل، وأصوات الرَّق، وأغاني العيد، كلما حانت الذكرى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى